القرطبي
32
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد . الثانية - قوله تعالى : ( أوفوا ) يقال : وفي وأوفى لغتان ! قال الله تعالى : " ومن أوفى بعهده من الله " ( 1 ) [ التوبة : 111 ] ، وقال تعالى : " وإبراهيم الذي وفى " ( 2 ) [ النجم : 37 ] وقال الشاعر : ( 3 ) أما ابن طوق فقد أوفى بذمته * كما وفى بقلاص النجم حاديها فجمع بين اللغتين . ( بالعقود ) العقود الربوط ، واحدها عقد ، يقال : عقدت العهد والحبل ، وعقدت العسل ( 4 ) فهو يستعمل في المعاني والأجسام ، قال الحطيئة : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا ( 5 ) فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود ، قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه ، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات ، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الاسلام . وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة ، قال ابن العربي . ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب ، لقوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه " [ آل عمران : 187 ] ( 6 ) . قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت . وقيل : هي عامة وهو الصحيح ، فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ، لان بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ( 7 ) فإنهم مأمورون بذلك في قوله : " أوفوا بالعقود " وغير موضع . قال ابن عباس : " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ، وكذلك قال مجاهد وغيره . وقال ابن شهاب :
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 266 ( 2 ) راجع ج 17 ص 112 ( 3 ) هو طفيل الغنوي وقلاص النجم : هي العشرون نجما التي ساقها الدبران في خطبة الثريا كما تزعم العرب . ( 4 ) كذا في الأصول وفي حاشية الجمل عن القرطبي : عقدت الغل . ( 5 ) العناج : خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها : والكرب الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين ، وهو الحبل الأول : فإذا انقطع المنين بقي الكرب . وقيل : غير هذا . وهذه أمثال ضربها الحطيئة لايفائهم بالعهد . ( 6 ) راجع ج 4 ص 304 ( 7 ) في ز : ويعم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وفي حاشية الجمل عن القرطبي : وهم من أمة محمد . الخ . قلت : يعني أمة غير الإجابة . مصححه .